مجلس أعلى للقوات المسلحة وحكومة من الأكاديميين المهنيين

مجلس أعلى للقوات المسلحة وحكومة من الأكاديميين المهنيين
بروفيسور صلاح محمد إبراهيم
وقعت القوى المدنية السودانية بعد ثورتها في ديسمبر 2019، في خطأ كبير ما كان ينبغي أن تقع فيه بسبب رغبتها في القفز إلى السلطة ومقاعد الحكم دون أن تستفيد من دروس الماضي كعادتها عند كل تغيير، فكل ثورات السودان التي سبق أن تحدث عنها في بدايتها في أكتوبر 1964 الكاتب محمد حسنين هيكل في افتتاحية صحيفة الأهرم الشهيرة التي حملت عنوان ( ثم ماذا بعد في السودان؟) تنطبق عليها هذه المقولة الشهيرة التي اغضبت بعض الكتاب والسياسيين السودانيين في البداية، ثم عادوا وتبينوا أنهم لم يكونوا في مستوى الثورة وتطلعات الشعب السوداني ، وكانت خلافاتهم خلال مراحل الانتقال المختلفة تفسد المشهد السياسي وفرحة المواطنين ويأتي تدخل العسكريين لإنقاذ البلاد من حالة الانهيار الوشيك ، حدث ذلك مع عبود والنميري والانفاذ التي جاءت ايضاً على خلفية صراعات بعد اتفاقية الميرغني قرنق بين الأحزاب الرئيسية التي كانت مشاركة قي السلطة وهي أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة القومية الإسلامية، والتدخل العسكري في كل الأوقات في السودان أو غيره لا يأتي من فراغ ، ولكن هناك ظروف سياسية تمهد له ، خاصة في دول هشة في تجربتها السياسية والديمقراطية ، صراعات الأحزاب والنخب السودانية ليست أمراً جديداً منذ المدارس الأدبية ومؤتمر الخريجين ومرحلة الحكم الذاتي ( وهلمجرا) ، لكل ذلك كان من الأفضل بعد ثورة ديسمبر 2019، أن يترك الأمر للعسكريين والتكنوقراط من الأكاديميين لإدارة الفترة الانتقالية بدلاً من الدوامة والتدخلات الأجنبية التي دخلت فيها البلاد دون وجود بصيص من الضوء في اخر النفق، مع تباين الآراء والمبادرات والمتاريس التي تضعها بعض القوى السياسية وتتستر بعضها خلف الشارع مع رفض كل فكرة أو مبادرة.
يمر السودان الان بأخطر مرحلة في تاريخه السياسي في ظروف أمنية بالغة التعقيد ، وحالة اضطرابات داخلية وخارجية في الدول المحيطة به وتدفقات بشرية هائلة من دول الجوار تهدد النسيج الاجتماعي في ظل السيولة الأمنية والحدود المفتوحة ، وفي ظل كل ذلك لا توجد مؤسسة في الدولة قوية ومتماسكة غير القوات المسلحة، فالقوى السياسية كلها منقسمة على بعضها ومتشاكسه كالعادة ، وكل طرف يعتقد لديه صك تفويض من الشعب السوداني ، وأنه يمثل الثورة والتغيير ، وهذا حديث اقصائي وغير ديمقراطي وغير واقعي وهو مجرد ( ركوب راس) ، طبيعة الحرية والديمقراطية هي التباين والاختلاف، ولكن هناك حد ادني يعتبر ثوابت وطنية يجب أن لا يكون حولها خلاف، وهذا هو العنصر المفقود في حوارات القوى السياسية السودانية وهو خلاف طال امده وفشلت النخب السودانية في تجاوزه باعتراف بعض رموزها منذ وقت مضى ( منصور خالد وغيره مثالاً) ، لقد طالبت منذ نجاح الثورة بمجلس سيادة عسكري بالكامل ، وحكومة تكنقراط مستقلين غير حزبيين تعالج القضايا العاجلة وتجهز لانتخابات مثل ما حدث في عام 1985، وهي اقرب تجربة ناجحة على الرغم من أن بعض قوى اليسار في ذلك تلوقت اطلقت عليها ( مايو تو) ، ومع ذلك تمت الانتخابات في وقتها، والاتهامات التي توجه الان للقوات المسلحة ما كان ينبغي أن تصدر من قوى سياسية تدعي أنها تتحدث عن المصالح العليا للدولة.
الحديث الذي يدور عن إعادة هيكلة القوات المسلحة وكتابة دستور من جهة نقابية ، وقضايا كثيرة معقدة أكبر من حجم الفاعلين السياسيين الحاليين وخبرتهم السياسية أمر زاد المشهد السياسي توتراً واضطراباً ، وهو في تقديري ليس وقته، كما أن هناك قوة إقليمية مجاورة وربما دولية لن تسمح بالمساس بالقوات المسلحة السودانية لاعتبارات ترتبط بأمنها القومي والمخاطر وحالة عدم الاستقرار في المنطقة ، وكان على القوى السياسية السودانية أن تكون أكثر حكمة وبعد نظر عندما تتحدث عن القوات المسلحة السودانية التي تعتبر من الركائز الأساسية في عدم تفكك السودان على الرغم من الصراعات القبلية وحركات التمرد المسلحة التي وجد نفسه فيها منذ ما قبل استقلال السودان ، تحمل الجيش لسوداني كل تلك الصدمات التي مرت بالبلاد وضحى الكثير من أبنائه بأرواحهم من اجل استمرار الدولة السودانية ، ثم تسمع من البعض حديثاً غير مسؤول يطعن في وطنية أبنائه، ومن المضحك امام العالم تسمع في الفضائيات بعض من يتحدثون عن هيكلة الجيش دون خبرة أو تاريخ سياسي أو عسكري ، ويرددون شعارات جوفاء للاستهلاك السياسي وضياع الوقت.
إن اقصر طريق للديمقراطية إن كنا فعلاً جادين في الوصول إليها هو طريق تشكيل مجلس اعلى للقوات المسلحة يتولى السلطة السيادية ، ويتم اختيار رئيس وزراء مستقل من احدى الجامعات ، يشكل حكومة يتفق على مدنها ، ولو ترك الأمر لي فإن هذه الأحزاب المنقسمة ربما تحتاج لعشرات السنوات حتى توحد صفوفها وتستعيد عافيتها وتضع برامحها التي تخوض بها الانتخابات، واعتقد أن على الوسطاء أو المسهلين الإقليميين والدوليين الحاليين إن كانوا يرغبون في حل المشكلة السودانية أن يطرقوا ابواباً أخرى ، هناك حزبان رئيسيا معلومان في السودان هما الأمة والاتحادي الديمقراطي ( حزب مولانا) ، وبقية الأحزاب معلوم لا قاعدة جماهيرية كبيرة لها ، وبعضها لا تجربة برلمانية له ، وبعضها لافتات منشقة عن الحزبيين الكبيرين، ومن الغريب أن بعض الوسطاء يتعاملون معها وكأنها أحزاب ذات قواعد وتاريخ وقواعد جماهيرية معلومة ، وهو الأمر الذي شكك في جدية مثل هذه المساعي التي لا يمكن أن توصل البلاد إلى نقطة التقاء ، وهو ما يحدث فعلاً على ارض الواقع الان.
اعتقد أن في تاريخ كل انسان وامة تأتي لحظة صدق مع النفس والواقع ، وفي رأي أن على حزب الأمة الذي يرأسه الفريق برمة ناصر وهو من العسكريين الذين شاركوا في ترتيبات انتفاضة 1985 الانتقالية أن يقوم بالدور الأكبر في احداث تغيير في موقف حزب الأمة في كل ما يجري، حزب الأمة حزب يصنف مؤخرا في يمين الوسط بعد تجربة الصادق المهدي ، لذلك فإن موقفه الحالي لا ينسجم مع الواقع السياسي الذي تمر به البلاد والذي يتطلب مراجعة ووقفه مع النفس ، ولا مصلحة للحزب في الدخول في مواجهة أو صراع مع القوات المسلحة مثل ما نسمع من بعض حلفائه في الفضائيات والندوات .

السابق

د. حسن التجاني /يكتب : هذا الصحفي …!! وهج الكلم

السابق

من أعلي المنصة / ياسر الفادني/ هبلة …. مسكوها طبلة !

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *