تأملات جمال عنقرة ثورة ديسمبر بين العسكر والأحزاب

تأملات
جمال عنقرة
ثورة ديسمبر بين العسكر والأحزاب
الأزمة الكبيرة التي نعاني منها هذه الأيام، هي أزمة الأسماء والمصطلحات، فكثيرا ما يذكر الناس شيئا، ويعنون شيئا آخر مختلف عنه تماما، ولا يفعلون ذلك لجهل أو عدم معرفة، لكنهم يفعلونه مع سبق الإصرار والترصد، بغرض التزوير أحيانا، ولاغراض السطو والاحتيال في أحيان أخري كثيرة، ولقد أصاب هذا التزوير والتحريف أكثر الكلمات والعبارات المتعلقة بالثورة، مثل المدنية والعسكرية، والثورة نفسها، وغيرها. وأحرص في هذا المقال أن أكون واضحا وصريحا، وأعمل علي تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقة، وليس بما حاول البعض فرضه.
وما دعاني لهذا المقال تصريح قرأته منسوبا للمؤتمر الشعبي يدعو فيه إلى إبعاد الجيش تماما عن المسألة السياسية، ويزعم أن السياسة شأن المدنيين وحدهم، ولا علاقة للعسكريين بذلك، وبالطبع فإنه لا المؤتمر الشعبي، ولا غيره من الأحزاب السياسية له حق ادعاء التحدث باسم المدنيين، فالاحزاب تتحدث باسمها فقط كاحزاب، ولا يجوز لها التحدث بإسم غيرها من الشعب قبل أن تنال تفويضا بذلك عبر انتخابات حرة يشارك فيها الجميع، وما دمنا لم نبلغ ذلك بعد، فدعونا نقف عند حدود الثورة والشرعية الثورية، وهنا نجرد حساب الأحزاب السياسية والعسكريين، لنعرف مساهمة كل طرف في التغيير، حتى يتحدد نصيب وكسب كل طرف في التغيير، والذي يخول له الحديث حسب مشاركته.
وثورة ديسمبر ثورة شعبية ما في ذلك شك، ثم حدث تلاحم فيها بين الشعب والجيش، حسمته القيادة العسكرية بالانحياز للثائرين، واحدثت التغيير، ويعلم القاصي قبل الداني أن مشاركة الأحزاب السياسية في الثورة كانت صفرا كبيرا، بل إن بعضها كانت مواقفها سالبة، ولا زلت أذكر مؤتمرا صحفيا عقده الدكتور علي الحاج الأمين العام للمؤتمر الشعبي قبل سقوط الإنقاذ بأيام قليلة في مقر الحزب بشارع اوماك في الرياض، سأله صحفي عن رأيه في “تسقط بس” فرد علي الحاج “نحن ١٦ سنة بنقول تسقط بس، مافي زول قال معانا، خليهم اليوم يقولوها براهم” وكما هو معلوم فإن الحكومة التي سقطت في أبريل ٢٠١٩م كان الشعبي مشاركا فيها ابتداء من رئاسة الجمهورية، وحتى مستوي الحكومات الولائية، هذا فضلا عن أن مجموعة السبعة التي خططت ونفذت إنقلاب الإنقاذ في الثلاثين من يونيو أكثرهم صاروا إلى الشعبي، ابتداء من المرحوم الدكتور حسن الترابي، والشيخ يس عمر الإمام، والسيد عبدالله حسن أحمد لهم الرحمة والمغفرة، والدكتور علي الحاج، والشيخ خليفة الشيخ مكاوي أطال الله عمرهما، وما قيل ويقال عن الشعبي يصدق علي أكثر الأحزاب السياسية الأخري، فلا يزال الناس يذكرون مقولة الإمام الراحل السيد الصادق المهدي في وصف مظاهرات ديسمبر، وكان قد وصفها بأنها “بوخة مرقة” وبوخة المرقة، لا تصمد طويلا، فسرعان ما تتلاشى وتذهب رائحتها، أما الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل، فهو أكثر الأحزاب مشاركة في حكومات الإنقاذ ابتداء من نداء القاهرة، وحتى آخر حكومة سقطت في الحادي عشر من أبريل عام ٢٠١٩م، وكان السيد الحسن الميرغني فيها كبيرا لمساعدي رئيس الجمهورية بعد أن خلف شقيقه السيد جعفر الصادق في هذا الموقع، وكان السيد أحمد سعد عمر وزيرا لرئاسة مجلس الوزراء في الحكومة الأخيرة، والحكومات التي قبلها كذلك، أما الأحزاب الأخري فلا تستحق أن نخصص لها مساحة مثلما خصصنا لهذه الأحزاب الكبيرة، فبعض تلك الأحزاب صنائع إنقاذية، ولقد كشف بعضهم مخازي بعض، وبعضهم لم يقو علي الظهور بإسمه، وظل يتخفي وراء لافتات وهمية، وشعارات براقة.
أما الحركات المسلحة، فلم يبق لكثير منها كفاحا يذكر ضد الإنقاذ إلا ما ألصقته باسمها مؤخرا “حركات الكفاح المسلح” فكثير من هذه الحركات وضعت السلاح، أو اضطرت إلى وضعه بعد الهزائم المتلاحقة التي منيت بها في ميادين القتال، وليست عملية “قوز دنقو” عن الأذهان ببعيدة، ثم أن هذه الحركات كانت قد بدأت حركتين فقط، ولكنها تشظت، وتكاثرت، وتناسلت، وأصابها ما أصابها حتى صارت عشرات الحركات، عشرات منها عادت قبل سقوط الإنقاذ في فترات متباعدة، وصارت جزءا من العملية السياسية في الداخل، وبعضها تحولت إلى لافتات وشعارات، ومواقع إلكترونية، وكلها لم يكن لها أي دور في الثورة ولا التغيير، ولكنها وجدت ضالتها في سلام جوبا، واستثمرت الأوضاع المعطوبة، والأطماع الإقليمية والدولية، وراهنت علي مطامع بعض القوي السياسية والحزبية التي كانت تسيطر علي المشهد السياسي، فتوافقوا علي تعديل الوثيقة الدستورية، وبموجب ذلك عادوا أصحاب حق، وليت كثيرين منهم لم يعودوا لأن كثير مما تعانيه بلدنا الآن من اضطرابات أمنية في العاصمة القومية، وفي كثير من عواصم الولايات والمحليات، وفي إقليم دارفور بصورة أكثر وضوحا، هو من الحصاد المر لعودة كثير من هذه الحركات التي أتت من العدم، وحال الحركة الشعبية ليس أحسن من حال الحركات الدارفورية، فالذين عادوا بإسم الحركة الشعبية ليس لهم قيمة كبيرة، فكثيرون كانوا قد ظلوا مرابطين في السودان، ولم ينقضوا عهدهم بعد أن فعل ذلك آخرون بعد أن اختار الجنوبيون الانفصال، فمجموعة كبيرة ومؤثرة من قيادات الحركة الشعبية قدموا انتماءهم للسودان علي انتمائهم للحركة، فبقوا في السودان، وتوافقوا مع الحراك السوداني الوطني، ومعلوم كذلك أن مجموعة من الذين عادوا مع الحركة الشعبية بعد ثورة ديسمبر من قياداتها وقواعدها، انفصلوا عنها، وصار لهم شأن، وكذا الحال بالنسبة لمنسوبي الحركات المسلحة، فصاروا قلوب شتي، وكيانات مشتتة، وكلهم ليس لهم دور يذكر في ثورة ديسمبر، ولولا أن قطار الثورة امتطاه غير أهله، لما وجدوا فيه موطأ قدم، واعانهم علي ذلك الأوصياء الإقليميون والدوليون.
أما العسكر، فهم الذين حقنوا الدماء، وأوصلوا سفينة الثورة إلى بر الأمان، وفتحوا الطريق لبناء سودان جديد، تتحقق فيه شعارات الثورة، ومطالب الجماهير، ولو كان للناس من مآخذ علي القيادات العسكرية التي تصدت للتغيير، أنها وضعت المؤسسة العسكرية القومية الوطنية، حامية حمي الوطن، في صف واحد مع الأحزاب السياسية، وليتها فعلت ذلك مع أحزاب ذات قيمة وتاريخ وتراث، وجذور ضاربة في أعماق تراب هذا الوطن، ولكنها فعلته مع أحزاب مصنوعة، وغير مامونة، وغير مستأمنة كذلك، ومنحتها الحق في أن تفاوض بإسم كل أهل السودان، وهي تحركها أياد خفية من خارج السودان.
الوضع الطبيعي الذي كان يجب أن يكون، هو أن تحذو قيادات القوات المسلحة حذو الذين سبقوهم من رفقاء دربهم العظام في مثل هذا الموقف، وفي ظروف مشابهة لتلك، فكان عليهم أن يفعلوا ما فعله الرجل الوطني الشريف، العفيف الراحل المقيم المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب ورفاقه الميامين، يتولون السيادة الوطنية، والرمزية القومية وحدهم، ويشرفون علي تشكيل حكومة قومية من كفاءات وطنية تدير شؤون البلاد إلى حين قيام انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها السودانيون من يحكمهم، وفي تقديري أنه بعد كل ما جري، ولا يزال يجري، فليس هناك خيار آخر غير أن يجود العسكريون “كرب قاشهم” ويستكملون ويجودون هذه الحكومة المدنية القومية الموجودة حاليا علي كافة المستويات القومية والولائية، ويستكملون الأجهزة العدلية والقضائية، ويقيمون كل المفوضيات المطلوبة مثل مكافحة الفساد، والعدالة الإنتقالية، والانتخابات، ويتركون الأحزاب “ياكلوا نارهم” ويستعدون لخوض الإنتخابات التي يتراضون علي موعدها، وحينها “الحشاش يملأ شبكته”

السابق

قرارات جديدة للمحكمة العليا بإعادة مدير البنك السعودي السوداني

السابق

السيادي:مستشفي بشائر اضافة حقيقية للخدمات الصحية:

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.