ما وراء اللحن_ كورال الحزب الشيوعي ذات مساء

صديق دلاي

دخلت دار الحزب الشيوعي قبل و بعد ثورة ديسمبر المجيدة , نفس المكاتب , كأنها أمانة الموقف الحزبي مع حال السودانيين المعذبين طوال سنوات الإنقاذ المقبورة , الكراسي قديمة، وزميلة تكنس في باحة الاحتفالية , بدأ الزملاء يتوافدون , بينما خرج الأستاذ صديق يوسف منذ الرابعة عصرا، والخطيب غائب، بل كل الصف الأول تقريبا , وانحسرت عادة ارتداء اللون الأحمر، واكتفى البعض بجاكيت أو طرحة أو ربطة عنق أو دبابيس حمراء أو وردة على الرأس.
جاء سيف نحيلا ونبيلا , يعاني من عيونه، بينما في وجهه سعادة الشيوعيين في العقد السابع مع ذلك العناد , وجاء محبورا يشاهد الجيل الرابع يدخل ساحة الاحتفال , والسيدة مديحة بذات الجدارة تقدم الحضور والفقرات , والمساء الخاص في دار الشيوعيين بدأ يتفتق لزهرات , الجيل الرابع يدخل المسرح الصغير والضيق بآلاتهم وملامحهم وابتساماتهم , ولا أظنهم تثقفوا بالكفاية المطلوبة من منهل الماركسية الحاذق، كما قرأت ذات يوم كتاب الرأسمال لكارل ماركس ومحتوياته الأخلاقية المدهشة في تغيير مسلمات الراسمال راسا على عقب، وبعمق لا حدود له، وتلك حكايات أخري لها حينها ,

بدأ الحضور يدشن المساء , لكورال الحزب الشيوعي، وأظن المقارنة صعبة مع كورال الحزب الشوعي علي اليوتيوب. من الكبار , مصطفي سيد أحمد وأمال النور وأخرين بنفس العظمة، ومع ذلك لن يتوقف التاريخ للتامل والإشادة فامتلأ المسرح بالزملاء وأصدقائهم ومحبيهم. وكما يقال الوعي شيوعي، ومثله الإبداع، ومثله أن العدالة يسارية , ومن ملامح الحضور، ومن داخل حنجرة شاب جامعي يملأ الآفاق بصياح هستيري، ونغمة شادية، وعناد لا حدود له جزء من كلمات قصيدة، يردد بجسارة معلومة (انا شيوعي) سالت جاري, واضفت , الآن فهمت.. لماذا كان الإصرار على الاحتفاظ بالاسم القديم للحزب الشيوعي.. ولذلك خرج الخاتم، والشفع، ووراق وأخرون علي مقاسهم , ضاقت بهم مواعين الحزب او قل ما شئت مناسبا ,
بدأ الكورال الأناشيد , جيل جديد بكلمات مختلفة , لم يكن فيها رزاز الدم، وبعيدا عن مايو وخساراتهم فيها , انتفضوا خلف الأحلام القديمة تجاسرا مع الوعي والتقدمية ,
وكان الأستاذ الفنان طارق ابو عبيدة يعود بنا إلى 30 عاما مضت، وكيف كانوا جزءا من كورال الحزب , بملامح شباب هذا المساء، وقد هرم الرعيل الأول بعيدا عن الريف واجندة عبد الخالق الرهيبة في سودنة النضال كل النضال من الحقول والسكة حديد ودنيا العمال والأفكار الاشتراكية , كانت ذاكرة الفنان طارق قادمة من أمستردام، وليس من حي مايو والحاج يوسف ,
لمحت في سيف قدرة علي العطاء.. على الأقل الالتزام مع الحزب ليأتي بعينين مغمضتين , يستمع لكورال من جيل حديث , لم يستمع لعبد الخالق في ندوة بالديوم والعمارات والثورات، ولم يشاهده بتلك الماسأوية بالجلابية بعد اعتقال مجهز لإعدام المثقف واسع الاطلاع بالسفنجة، مهضوم من أقل الحقوق يجاوب اسئلة العسكر والنميري , ماذا قدمت للشعب السوداني فيتحدث عبد الخالق ليقول كلمات للتاريخ: “الوعي” بعض ما استطعت ,
من يلهم هذا الجيل بتاريخ الكبار بعد نجاح ثورة ديسمبر بثقافة تلك الشيوعية التي اهتمت بها موسكو متميزة على بقية الدول الإفريقية فنالوا اوسمة لينين واحترام البقية.؟

وكان بركية يحكي عن الراحل نقد من مقعد بجواري, وكانت ونسته اهم من الحوار معه، بعيدا عن أسئلة الظافر الملوثة وضيقة الأفق… دعه يتحدث عن السودانيين في الشارع العام وفي بيوتهم وجهاتهم , ودعه يتحدث عن المسافات الممكنة لو لم تات الانقاذ..
وجاء رجل مثل بابكر كرار يدعم الإحساس السوداني في التضامن والعدالة إلى إشتراكية معقولة متداخلة مع طريقة الشيوعيين في مسافة مناسبة، ووسط معقول , يخلق ابداعات ربما كانت ستصنع أمة فريدة، وهي تفسر بتجرد التاريخ والجغرافيا، كنا سنكون بعيدين عن حرب أهلية وانفصال، وظاهرة الإسلام السياسي لن تولد أبدا في ذهن متقد لم يجد فسحة من الزمن ليتمعن في المجتمع السوداني، وينسج له من دنياه شيئا يشبه اماله وتطلعاه واحلامه , لو لم يرتكب الأزهري ذلك الخطأ متوجها بالسودان نحو العروبية بكل ملامحه السمراء، وعمقه الإفريقي وأشواقه..

وبالفعل دوزن العود مساء الخرطوم 2، وغردت عصافير الشيوعيين بكورال لابد له. ان يردد الاغنيات القديمة حتى يدخل لوجدان الناس..
دخل الفنان يوسف الموصلي , انيقا مكتفيا بطاقية عادية وجلابية بلون السمن ليس بها أي إسراف , وبقامة ليست مديدة تعكس بعضا من آماله في هذه الحياة , شكله يشبه الجملة العربية الواضحة , مكتملة بدون تنوين بسبب من داخلها , كنت احمل له سؤالا طالما ارهقني منذ اكثر من عشرين عاما , حينما كنا في الداخلية نتونس عن تجربته مع الراحل مصطفي سيد احمد في (الحزن النبيل)، و كنا نظن أنه لولا صوت مصطفى لفشلت الفكرة بسبب الذخم الموسيقي ,
اخذ الزمن من ملامحه الكثير وانضوى كأنه يودع هذه الدنيا , وامسك بالميكرفون فورا مداعبا طارق… لم يكن صوته صوت فنان بل صوت متحدث , وحيا شباب الكورال , غير متحسر على أي شئ , واضاف بنظرة ضافية على ذلك المساء، متعمقا في وجوه الحاضرين، محبورا , ونثر بشريات العهد الجديد باغنيات وأعمال تليق بالديمقراطية القادمة على هدي ثورة ديسمبر المجيدة…
ثم غني الموصلي، وليس في الصف الأول محمد إبراهيم نقد، ولا فاطمة أحمد أبراهيم، ولا سعاد ابراهيم أحمد، ورحل مصطفى، وحميد، و محمد عثمان وردي، ومحجوب شريف… خسارات تحس بها في صوته بعد مرحلة الشجن طالبا الابداع لزمن آخر… فهل هذا ممكن؟

قدمته بثقافة عالية تليق بأمسية من داخل الحزب الشيوعي , وكانت الأستاذة ندى حليم تعطي الحضور كبسولة راقية بان الحزب لم يختطف، ولم ينم، ولم يسرق، ولم ينس , ومع كل ذلك لا تستطيع ند أن تخفي ذلك الحزن من ملامحها , نعم كانت غير محجبة، ولكن من أين كل هذا النور في وجهها والحب للناس والجدية للوطن والجماهير؟؟؟ , ثم فاجات الحضور تغني مع الكورال (غني يا خرطوم) بطلب من الموصلي , واشتعل المكان بالحماسة الثورية، ومع أغنية (قاسم أمين) كانت ندى تمنع البكاء في وصلة العمال، وذلك الحين يحين تتقطع من وجدناها ان نسرع الخطى ونحقق معظم مطالبنا الثورية…

قدم مكتب الأدباء والفنانين الشيوعيين مساء مختلفا , التقى فيه جيل البطولات الكهول الذين قاوموا بؤس الإنقاذ على حساب صحتهم و وظائفهم وعائلاتهم , خرجوا ثم عادوا، منهم من مات، ومنهم من ينتظر، وقد أخذ الدهر حقه، وبقيت شعلة الالتزام بالشيوعية باقية كما هي. وها هو جيل الثورات , في ذات الطريق، ولكن بحجتهم واداواتهم ومنهجهم… فهل سيكتمل القمر في هذا الحزب الصابر على كل محن الدنيا، وهو يضع مكانته في مجتمع محافظ…، وبعيدا عن المراكز الشيوعية غرز اأعلامه في مجتمع طائفي وأهلي وراسمالي، وأبحر عبر كل السنين كفاحا متواصلا رغم كيد من أرادوا اغتياله بالمؤامرات من كل نوع…
والسؤال: هل نجا بالفعل أم أن الخسارات تجمل لتصبح انتصارات؟..

السابق

ميغان ماركل تفتح النار على العائلة البريطانية المالكة: لقد أخرسوني

السابق

وزيرة التعليم العالي تعتذر لطالب تم قبوله بجامعة الأحفاد

أكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *